اخبار ذو صلة
انضموا الى القائمة البريدية

البريد الالكتروني :


2015-08-14 18:56:48
ثقافة ,, أملٌ يموت..
أملٌ يموت..

فصل المقال/ يردينا حجاجرة

كان لا بدّ لها أن تسترق السّمع من وراء الباب. أصواتٌ تعلو من حُجرة ضيّقة، لا تتّسع إلاّ لسريرٍ وخزانة صغيرة، خزانة تُخفي في جوفها ذكرياتٍ أبَت أن ترحل. صراخُ أبيها يُنذر بمصيبة قادمة ودموع أمّها المسكينة تحكي حكايةَ ظُلمٍ مستمرّ، وزواجٍ لم تُكتب له السّعادة يومًا.

 

"سأُزوّجها له"، قالها بلهجةٍ قاسية، موجّهًا سهامَ قمعهِ ونفوذهِ إلى صدرِ أمّها وقلبها هي.  "أمل" فتاةٌ جليليّة، عشرينيّةُ الأوجاعِ والسّنين، ترعرعت في بيتٍ لا يعرف الفرح والحبّ، وأشياءَ أخرى كثيرة تحتاجها الأنثى في بدايةِ ربيعها. كان الحُزنُ حكايتها الأولى، وشغفها الّذي لا يخبو، وكان استهزاء النّاس بسذاجتها النّقطة الأولى لموتِ روحها.

 

أمل، كما الخيبة احتاجت أن يغرس المقرّبون فيها الثّقة والقدرة على صقل ذاتها، لكن ماذا بوسعها أن تفعل إذا كانت العائلة هي نواة القمع والإحباط؟ وصلَ الفارسُ المختارُ وعائلته في تمام الثّامنة، لم تتأنّق أمل كما يتوجّب عليها في مجتمعٍ شرقيّ يؤمن بالقشور، لم تضع مساحيقَ التّجميل كما يلزم ولم ترتدي أجمل فساتينها، كانت حسناءً ناعمة، تشبه السّماء حين تتزيّن ببعض النّجوم.

 

في تلك اللّيلة تمّت الصّفقة، ستتزوّج أمل بذلك الجالس على الكنبة المجاورة، ذاك الّذي تفوح منه رائحة البرود والقسوة، والّذي لم تشعر أمل تجاهه بتلك الرّعشة المخمليّة الّتي لطالما حلُمت بعيش تفاصيلها مع فارسها العاشق. امتلأت الغرفة بضحكات النّفاق، احتفل الجميع بزواجٍ قد اقترب موعده، زواجٍ حدّدوهُ هم، وباركوهُ هم، وذبحوا على شرفِهِ قلبًا لطالما كان شغوفًا بالحبّ. جاء اليوم الملعون، تزيّنت أمل بدموعها وخيباتها، على وجهها بدت ملامح الموت وعلى فستانها الأبيض البسيط نامت ملايين الذّكريات المؤلمة الّتي عاشتها. مرّ شريط حياتها أمامها كما لو أنّها تُحتضر، تذكّرت كيف استهزأ بها الآخرون، تحسّست صدرها ويديها وجيدها وشعرت كأنّ سوطَ أبيها يمارس عليها ضربات متتالية، لطالما أوجعتها وجعلتها ساهرة ليالٍ كثيرة تُقاسي آلامها. تذكّرت أمّها، كيف كانت تصمت حين يقوم بضربها وضرب أبنائها، وكيف استسلمت لقمعه وبطشه حتّى أصبحت مثله، جلّادًا يمارس سلطته على ابنتها أمل. تزوّجت أمل، صفّق الحاضرون وغنّوا والتهموا وليمةَ وجعها وخيبتها. انتهى المأتم ورحل الجميع إلى بيوتهم.

 

دخلت أمل برفقتهِ إلى البيت الجديد، شعرت وكأنّها تدخل إلى كهفٍ شديد البرودة، تصدر منه أصواتٌ مزعجة يسكنها الخوف والنّشاز. حاولَ الاقتراب منها لكنّها أبعدتهُ كما لو أنّه شبحٌ مخيف. ركضت إلى الحمّام وأغلقت الباب وراءها، تكوّمت على الأرضيّة كعصفور تائه، شهقاتها تصطدم بجدار الحمّام، والباب المسكين يشكو من محاولات زوجها لفتحهِ. كُسِر الباب، دخلَ زوجها عاريًا، كانت ما تزال مرتميةً على الأرض، حدّقت بعينيه فرأت الغضب فيهما كما لم ترهُ من قبل، حتّى في عينيّ أبيها. كبّلها بيديه، لم تشفع لها محاولاتها في مقاومته، كانت تستجديه أن يبتعد عن جسدها الضّعيف لكنّ شراسته وشهواته النّتنة كانت أكبر. اغتصبها، فضّ بكارة جسدها وروحها عنوةً، شعرت بجسدها ينزفُ موتًا، وحين انتهى من جريمتهِ رمقها بنظرة انتصار، انتصارهُ عليها، وعلى رفضها. أربعة شهورٍ مرّت، بقيت أمل صامتة على جريمته، اغتصبها ذلك اللّعين مرّات كثيرة، كانت تستسلم لقوّته وجبروته، فليس لها ملجأ ولا حماية.  على طاولة العَشاء، جلست أمل وهو، صرخ فيها، حاول ضربها، كانت تحاول ابتلاع ما في فمها، وقفَ الطّعام في حلقها، مانعًا الهواء من الدّخول إلى رئتيها، بدأت أمل بالاختناق، شعرت بجسدها ينهار، حتّى استقرّ على الأرض، نائمًا، جميلًا، كموتٍ ناعم. عمّ الحُزن الكاذب زوايا القرية، ذرفت أمّها دموعًا خائنة، بكى زوجها جريمته، أمّا أمل فبقيت ذكرى، وقصّة، وحياة... وقبل أن يُسدلَ السّتار، من قتلَ من؟