اخبار ذو صلة
انضموا الى القائمة البريدية

البريد الالكتروني :


2015-09-11 11:34:35
ثقافة ,, فلتسقُط الزُرقة.. وينطفئ الشمعدان/ تُقى تيتي
فلتسقُط الزُرقة.. وينطفئ الشمعدان/ تُقى تيتي

فصل المقال/

قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بادارة شؤون البلاد والله الموفق والمستعان. 

 

 قالها عمر سليمان، لا أنسى تلك اللحظة ولم ولن أنسى، كانت البداية، كانت البداية لنهايات كثيره كتبتُها بحبري الداكن الذي يسألني الكل عن سره، أجيب كل واحد منهم بطريقة مختلفة، لا أُوحد الإجابة لأنها ليست موحدة في عقلي أصلا . 

 

بعد الثورة رأيت عالمًا مختلفًا، لم أعد أرى مصر كما كنت أراها قبل التاريخ المعهود، "مصر التي في خاطري" كما غنتها أم كلثوم، لم تكن واقعية ولا موجودة أساسًا، كنت أرى في مصر الأهرامات والكشري وكوبري قصر النيل وجمال عبد الناصر، لم أر الفقر والجوع والشباب والسجون وما وراء القضبان، لم أر كل هذا إلا قبل عام حيث دخلت العالم الافتراضي الذي قادني لأن أعيش سجينة داخل محادثاتي واتصالاتي مع أصدقائي الافتراضيين، عشت عامًا كاملًا حبيسة الكوكب المصري الذي أحاطني وضيق خناقه على حياتي، سلبني روحي وأذهب عقلي، بت أعيش هنا جثة هامدة تنام معظم اليوم وروحها ترفرف، تمشي، تعلو وتهبط في عالم خاص نسجته بنفسي لنفسي مع أشخاص لم أخترهم . 

 

أسأل نفسي دائما أبدا لو لم يكن الاحتلال، هل كنت سأشعر باليتم الذي لطالما شعرته وحملته وبحثت له عن ملجأ يأويه.. بحثت عن مكان يذكرني بأصلي، حتى ولو كان صدئًا وعفنًا، بحثت عن أناس يشبهون أحلامي البسيطة، بحثت عن لغتي التي افتقدتها في وطني المحتل، بحثت عن كلية الحقوق، المركز الرياضي، المركز الشبابي، العلم والنشيد الوطني المفهوم ضمنًا والذي حتمًا كنت لأغنيه يوميًا في طابور الصباح المدرسي ولا أنتظر المناسبات الوطنية لكي أضم أحلامي بيدي اليمنى إلى صدري وأنشد "موطني..". بحثت حتى وجدت كل أحلامي "العبيطة" كما يقولونها بلهجتهم المحببة التي أتقنها، مما جعلهم يظنون أن هناك فرعًا آخر لشبرا في فلسطين المحتلة. 

 

لكنّي أتعثر دائما بزُرقة تلك البطاقة، أسقط وأهوي من برجي الوردي حينما يسألني أحدهم: "هو أنت منين ف فلسطين؟" كنت أخاف من وقع الإجابة عليَّ أكثر من وقعها على مسمع السائل فكنت أجيب هاربةً: "عارف عكا؟ عكا  بتاعت صلاح الدين؟ " فيجيب : "أيوا أُمال!" فأتابع:"أيوا أنا من ضواحيها" يحاولون اللف والدوران حول موضوع السلطة الفلسطينية متسائلين هل عكا جزء مما يسمى الدولة الفلسطينيه، أضع يدي على جبهتي، أغمض عينيّ وأضم نفسي هاربةً، هاربةً حتى من نفسي، أجيب بثقه اصطنعها:" لا لا داخل الأراضي المحتلة" ويسود الصمت. 

 

كنت أبكي حين يتكرر هذا الموقف، قال لي أحدهم مرة "هو انتو مش بتثورو ليه؟" أجبته:" علشان أكلتوا لحمنا واحنا أحياء". يضربني الاحتلال في مقتل..هويتي مهددة طوال الوقت، الورق والسجلات والأوراق الثبوتيه، تنهش روحي، تغمسني في عالم مليء بالأسئلة والحزن إلى حد يقودني إلى أن أكفر بالواقع.

 

٤٨ رقم احتل تفكيري في السنة الأخيرة من عمري، كرهته جدا حين أدركته. لا يهم حيث أن لا فرق بين ما تكره وما تخاف لأن ذلك شعورا إنسانيًا يتناسب طرديًا مع أولوية خوف الشيء أو كرهه، كما يقول لي (مختار) . أتصارع مع هذا الرقم وأحاول دائمًا إبطال مفعوله السحري على حياتي، أحاول تجاهل الشمعدان الذي ضُربت صورتي به في جواز السفر وبطاقة الهوية "فلتسقط كل أوراقي الثبوتيه"

فلتسقط الزُرقة التي تكسو عالمي وجواز السفر والهوية فلتنطفئ كل شمعدانات الاحتلال التي تحرق وجهي وتذيبه. 

 

قررت أن أترك كل هذا خلفي وأمضي إلى مكان وجدت فيه روحي مكانا ليس بعيد مكان شقيق، دولة شقيقه على مضض، دولة شقيقة دون أن تكون شقيقة، الأخت الكبرى مصر.

 

كنت أطمح أن تهاجر روحي في كل أرجاء الوطن العربي أن أمشي في شوارع حلب ودمشق وربما اللاذقية، أن أسمع صوت إلهام المدفعي ينبعث في الجو في شارع من شوارع بغداد التي لم تعد بغداد أصبحت رمادا ودماء، أرى بيروت والروشة لقد قال لي أحدهم يوماً "تبقى.. بيروت أقرب لنا من أي شيء " 

لطالما أحببته وكان خالداً في قلبي، أريد أن يكون وطني العربي من المفهوم ضمناً في حياتي، لا أريده أن يكون مجرد أحلام وصور لا تتعدى شاشة حاسوبي المُنهك، هل يُسمح لي؟ هل يُسمح لي أن أضم روحي إلى صدري؟ هل سأموت وأنا أحلم؟ 

 

هل أشكر كامب ديڤيد، أشكرها لأنها فتحت لي شباكا صغيرا أطل بواسطته على جزء من أحلام بسيطة وساذجة، لكننا عندما نصل لمرحلة نشكُر فيها عارًا، سنُدرك حجم المأساة. 

 

*البعنة