اخبار ذو صلة
انضموا الى القائمة البريدية

البريد الالكتروني :


2015-09-18 20:17:09
ثقافة ,, هل يغفر لي؟/ يردينا حجاجرة
هل يغفر لي؟/ يردينا حجاجرة

فصل المقال/

يبدو الصباح أكثر إشراقًا اليوم، أخشى هذه الصباحات الّتي تفتح أذرعها لنا، أشعر بأنّ ثمّة مصيبة ستحدث، وأنا أخاف المصائب، أخافها كثيرًا. زوجي ينام إلى جانبي، أتأمّل جفنيه البريئين، ثغره الجميل، ذقنه الكثيف، وجسده الطويل والممتلئ الّذي يحتلّ مساحته الخاصّة في السرير، يرقدُ في مضجعي بسلام وعلى ملامحه يتجلّى بهاءُ الربيع، كما هو اسمه. لا أدري لماذا نتعثّر دائمًا بالأشخاص الطيّبين، الّذين يكشفون مدى سوئنا، وحجم خطايانا.

 

حاولت النهوض من سريري، لم أستطع، أشعر برغبة في إكمال نومي، أبدو كسولة اليوم على غير عادتي. يستيقظ ربيع على وقع حركتي المزعجة في السرير، يبتسم لي ويطلب منّي الاقتراب كي يقبّلني، أقترب فإذ به يهمس في أذني: "أحبّك كلّ صباح أكثر". تنبعث الكلمات من فمه كالسهام، أنا الّتي كنتُ البارحة مع ذاك اللعين، كيف لي أن أستحقّ كلّ هذا الحبّ؟! ينقبض قلبي، أشعر بشفتيه أكثر عنفًا وقربًا، أحاول الابتعاد عنه بحجّة تأخّري عن العمل، لكنّه يشدّني إليه، يريدني في أحضانه، وأنا أتخبّط بين رجلٍ يحبّني وآخر أحبّه. 

 

أبعده عنّي بالقوّة، ينظر إليّ مصدومًا، لم ينبس ببنت شفة، بقي يتأمّلني وأنا أرتدي ملابسي وأضع بعض مساحيق التجميل، اليوم سألتقي به، في المقهى البعيد. خرجت دون أن أقبّل ربيع قبلة الخروج من المنزل، لا أدري لماذا صحوت عنيفة إلى هذا الحدّ، ربّما لأنّ ضميري بدأ ينهار وقد بات أمري مكشوفًا.

 

أقود سيّارتي نحو مكان عملي، تبدو الطرقات حزينة برغم ابتسامات المارّة المزيّفة والزهور الكثيرة النائمة على طرفيّ الشارع. تأخذني أفكاري إليه، إلى ربيع، الّذي قال لي مرّةً: "أنا أعيش لأجلك، أنتِ ملاكي المدلّل"، ترى لماذا نركل الحبّ جانبًا عندما يكون في حوزتنا؟

 

مرّ أسبوع سيّء، كانت علاقتي بربيع جافّة ومُربكة، لم ألمهُ فأنا قد بتُّ لا أُطاق. لكنّي اليوم سألتقيه، وسأحسم أمري.

 

التقينا على مقعد قديم قبالة البحر، وجدته ينتظرني، ينفث دخان سيچارته اللعين. وصلت إليه، جلستُ على طرف المقعد، لم أستطع الاقتراب منه بالرغم من أنّني كنت في أحضانه البارحة.

 

اكتفى هو بابتسامة ساخرة كسرت كلّ ما فيّ من كبرياء. نظر إليّ كمَّن يبحث عن إجابة، سألني فيما لو كنت أشكو من شيء، أجبته بالنفي. ساد الصمت بيننا حتّى قطعتُ أوصالهُ، قلت وأنا أتأمّل النقطة البعيدة: أشعر بأنّي أحبّ ربيع فعلًا، هو يحبّني أيضًا. قاطعني مستهزئًا: وأنا أحبّك أيضًا. قلتُ بصوت مخنوق: أنت تحبّ جسدي، تحبّني لأنّي فاتنة ولأنّك أنانيّ، هو يحبّني لكوني أنا. سألني بنبرة استهتار: ولماذا تخونينه معي؟، انتفض قلبي، شعرتُ بجسدي يرتجف، تجمّعت الدموع في حلقي لكنّي تماسكت، لم أسمح لنفسي أن أريه ضعفي، أجبتُ بحزم: الافتقاد إلى الشغف والتجدّد يدفعنا لأن نخون. أحتاج للشغف، لأشياء جديدة، مللت الروتين، أتوق لممارسة الحبّ بجنون، أفتقد الجنون مع ربيع وذلك يقتلني. رنّ هاتفه، أجاب دون أن يعيرني أيّ اهتمام، كنت أراقبه وعلامات الصدمة بادية على وجهي، وحين انتهى استأذن أن يرحل. هكذا بكلّ بساطة رحل، تركني بعينينِ تراقبان خطواته، والذهول يسكُن مساماتي!

 

كنت وحيدة على تلك البقعة من الشاطئ، أطلقت العنان لدموعي، بكيتُ كما لم أبكِ من قبل، نظرتُ مليًّا إلى السماء، كانت شديدة الزرقة، كانت زرقتها فاتنة، تمامًا كعينيّ ربيع. نهضت عن مقعدي، أخذت نفسًا عميقًا، شعرتُ بالهواء يدخل مجدّدًا إلى رئتيّ، ألم أقل سابقًا أنّني سأحسم أمري؟! في طريقي صادفت متجرًا للورود، الجوري والتوليب والزنبق والفلّ والنرجس، كلّها أشياء تعيد إلى الحياة رونقها. اقتنيت باقة توليب ضخمة، سأذهب إليه، إلى ربيع، أليست الورود بداية التجدّد وعنوان الشغف؟!

 

وصلت إليه، ابتسامته الوديعة هدمت كلّ ما فيّ من حياة، شعرت بأنّ كلّ الأشياء تتخلّى عنّي وبأنّي لستُ سوى امرأة ناكرة للحبّ، أحبّ ربيع، أحبّه كثيرًا، فهل أعترف له بخيانتي؟

 


حسن عبد علون، 45 × 60 سم، زيت على قماش (العراق)