اخبار ذو صلة
انضموا الى القائمة البريدية

البريد الالكتروني :


2015-12-12 13:43:11
ثقافة ,, جروح الحبيب..
أخذت اللوحة وأنا أفكر بالصديقة البعيدة، التي استقرت في الجنوب، أرسلت لها رسالة ألكترونية وأعلمتها بأنني أعددت لها اللوحة. مر يوم وأسبوع وأسبوعان ولم ترد على رسالتي، يبدو أن الأمر لم يعد يعني لصديقتي شيئا.
جروح الحبيب..

فصل المقال/ سهيل كيوان

سهيل كيوان

قالت لي صديقتي ربى، التي يتمنى كثيرون أن يحظوا بلفتة كريمة أو ابتسامة أو كلمة طيبة منها: "رغم روعة النرجس وعصا الراعي والقندول، إلا أنني أعشق شقائق النعمان أكثر، الزهرة التي أطلق عليها أجدادنا الكنعانيون تسمية جروح الحبيب، لو كان بيدي، لملأت الدنيا منها، أنت لا تعرف ما الذي يفعله هذا الأحمر القاني بمشاعري، إنها الزهرة الوحيدة التي تعيد لي طفولتي بأبهى لحظاتها".

سمعت هذا منها في كثير من المرات وبحماسة غريبة، كلما تناول أحدهم سيرة الأزهار على مسامعها. حتى صرت أتوقع ما ستقوله قبل أن تفتح فمها.  

في يوم قلت لصديقتي (ربى) "أعدك بلوحة لرسام محترف للزهور التي تعشقينها".

لمعت عيناها فرحا:أحقًا...هل تعدني حقا!

-طبعا ولم لا!

-ولكنها قد تكون باهظة الثمن! اللوحات الأصلية ثمينة!

-حتى ولو! أنت تستحقين أكثر من هذا.

رأيت السعادة تشع من عينيها، أردت ببساطة أن أسعدها، فهي تسعدني لمجرد حماسها للحديث معي، وطيبتها وثقتها بي.

بدأت البحث عن رسام محترف ليقوم بالمهمة، وسرعان ما عثرت على رسامة، درست الرسم في معهد للفنون كما فهمت من الشهادة المعلقة في مرسمها، بعد أسبوعين كانت اللوحة جاهزة، ودعتني لاستلامها، ولكن عندما رأيتها لم ترُق لي، فهي ليس ما رسمته في  خيالي، إنها تبدو متفرقة، بينها فراغات كبيرة، والأحمر القاني ليس مهيمنا،   تخيّلت بقعة واسعة  من الأرض، مكسوةً حتى الإشباع بهذه  الزهرة حتى الأفق، هذه لا تليق بصديقتي قلت لنفسي. التقينا أكثر من مرة بعد وعدي لها، وكانت عيناها كأنما تسألاني ..ماذا مع الوعد!

لم أتحدث في الموضوع، قررت أن تكون مفاجأة جميلة في يوم ما، ذهبت إلى رسام آخر وأوصيته على اللوحة، وشرحت له ما الذي أريده فقال لي:" لا أعدك في الوقت القريب، أنا لا أرسم إلا حين يكون مزاجي رائقا، ولا أعرف متى سيكون رائقا ومواتيا لرسم حقل من شقائق النعمان"،  ثم قال لي "لا أذكر تفاصيل هذه الزهرة جيدا،منذ سنين لم أرها، فقد عشت فترة طويلة في بلاد لا تنبت فيها هذه الزهور، ولكن مع قدوم الربيع سوف أخرج إلى الطبيعة، أراها بتمعن، وحينئذ سأرسم لك اللوحة التي تحلم بها.

لم أنتظر مزاجَه، وانتقلت إلى رسام ثالث، عرض علي لوحات جاهزة لمختلف أنواع الزهور ولكنني أصررت، لا أريد سوى شقائق النعمان، فوعدني بها!

بعد أسبوعين دعاني لاستلامها. كانت بضع زهرات في حوض على شرفة منزل فخم كأنه القصر، ليس هذا مكانها، هذا أيضا ما لم أرده! أريدها من منبتها، في سهل أو سفح، شقائق النعمان بمشهدها وكثافتها المثيرة للدهشة، التي تشبه صرخة وأوجاع الأرض، أو كما وصفها غسان كنفاني مرة في روايته التي لم تكتمل" برقوق نيسان"، مثل جسد شهيد ملأ جسده ثقوب الرصاص".

سافرت صديقتي ربى إلى الجنوب لتعمل مدرسة في مكان بعيد، لم نعد نلتقي، وخفت بيننا الاتصالات.

مرّت ثلاث سنوات ولم أرها، انقطعت بيننا حتى المهاتفات والمراسلات على الشبكة العنكبوتية إلا نادرا،وسريعة بدون الحرارة التي كنت أعهدها ،بضع كلمات عن العمل،ولكن كلما تذكّرتها، شعرت بغصّة، لأنني لم أف بوعدي لها باللوحة.

في يوم ما هاتفني أحدهم وعرّف على نفسه قائلا...هل نسيتني!؟..أنا الرسام الذي طلبت منه لوحة شقائق النعمان، يا صاحبي لقد أعددت لك لوحة رائعة!

- أه أذكر، ولكن ما حاجتي بها الآن!..بعد ثلاث سنوات ؟! تذكرت وجه صديقتي وابتسامتها ولمعان عينيها يوم وعدتها باللوحة.

- ليس مهمًا أن تقتنيها...تعال فقط انظر إليها.

عندما رأيتها لم أتمالك نفسي...يا إلهي! ما هذه الروعة والفخامة! إنها بالضبط اللوحة كما عاشت في خيالي، الأحمر الكثيف فيها جدا والأخضر الحشيشي ولون الأرض والغيمة الوحيدة في الأفق، عدد الأزهار كبير جدا ومتداخلة لايمكن إحصاؤها، وفي الوقت ذاته تبدو وكأن لكل زهرة خصوصيتها، في إطار برونزي أنيق، بمقاييس العرض فيها أكبر من الارتفاع،إنه المستطيل الذهبي ولكن بشكل أفقي!   إنها لوحة مطابقة للحلم وربما تفوقه، ولكن خسارة، خسارة أن صلتي بربى شبه مقطوعة،على كل حال سآخذ اللوحة، إنها رائعة.

أخذت اللوحة وأنا أفكر بالصديقة البعيدة، التي استقرت في الجنوب، أرسلت لها رسالة ألكترونية وأعلمتها بأنني أعددت لها اللوحة. مر يوم وأسبوع وأسبوعان ولم ترد على رسالتي، يبدو أن الأمر لم يعد يعني لصديقتي شيئا. 

كانت قريبة للعائلة قد انتقلت إلى بيتها الجديد، وكنت محتارا ماذا أهديها، ترددت هل أهديها اللوحة الجميلة ذاتها! قريبتي طيبة جدا، ولكن لا أعرف إذا ما كانت تحب شقائق النعمان مثل صديقتي البعيدة، ولكنني لا أريد الاحتفاظ بها، أريدها أن تكون هدية لشخص ما عزيز، أريد أن يصبح إهداء اللوحات عادة، بدلا من هدايا الطناجر والأطباق والمزهريات التي تتحول إلى مخزن للمفاتيح ومختلف أنواع الفواتير والمحولات الكهربائية لمختلف أجهزة العهاتف.

أخيرا حزمت أمري وقدمتها  لقريبتي فسرّت، بها كثيرا، وعلّقتها على جدار صالون بيتها الجديد، وهي في غاية السعادة!

لم يمض يومان حتى فوجئت بسيارة تقف أمام بيتي، ترجلت منها سيدة أنيقة، رفعت يدها محيية ، يا إلهي...صديقتي ربى، تقدمت بخطى وئيدة ، كانت السعادة تشع من وجهها وتقول: ها قد أتيت! أين لوحة شقائق النعمان يا صديقي الغالي...!