اخبار ذو صلة
انضموا الى القائمة البريدية

البريد الالكتروني :


2016-02-06 12:33:06
ثقافة ,, رانيا عقل في معرضها الجديد "يعود للمرسِل"
ولم تكن علاقتهما سهلة، كونه مغربيًا، فكانت مرّة أخرى تُضطر لإرسال رسائل عبر البريد، ليصلها لاحقًا "يعودُ للمرسِل".
أثارَ تواردُ القصص في حياة الفنانة التشكيلية رانيا عقل، شغفًا خاصًا بفنِها، المرتبط بالتراث الفلسطيني، وبينه الطابع الفلسطيني الذي كان له دورٌ في الماضي، مِن خلال نقل رسائل من فلسطين التاريخية إلى العالم العربي والغربي. وتأثرت عقل بزوجها الفنان والناقد التشكيلي المغربي سعيد العفاسي، حيثُ اختار كلاهما أن يُكمل حياته مع شريكه، وهكذا التقيا ليجمعهما الهم المشترك والفن الجميل.
رانيا عقل في معرضها الجديد "يعود للمرسِل"

فصل المقال/ غادة أسعد

وتروي الفنانة التشكيلية رانيا عقل من خلال معرضها مسيرة عشر سنواتٍ من النبش في الذاكرة من قصص قمعٍ وسلبِ حياةٍ وشتاتٍ وانتظار رسائل لم تأتِ في أوانِها، فالطوابع البريدية، بأشكالها وألوانها والسواد الطاغي، والحمير التي تحمِلُ بُقجة الحريّة، كلها تحكي عن قيدٍ لا بُدّ أن ينكسِر.

وكُل رسالةٍ كشفَ عنها المعرِض حملَت وجعًا مختلفًا عن الآخر، فتارةً ذاكرة حيّة وحنين إلى الماضي ومرة أخرى حياة غابرة، وأخرى ظلامُ الزنازين والشوق إلى لمعان الضوء، وأخرى مشاعِر وأفكار، وهناك رسائل لم تكتب وأخرى أعيدت للمرسِل.

عن المعرض تحدثني رانيا عقل قائلة: "لأول مرّة في عملٍ فني شخصي أضع قصة تخصُني، على المستوى الشخصي، وفي العادةً عندما يكون هناك مسارٌ غير عادي في حياتنا، وشيءٌ ما يؤلمنا أو يُضايقنا، نحاول أن نقِف عنده ونبحث فيه بعمق، والمعرض هو خلاصة تجربة وجزءٌ هام من حياتي الخاصة، وجزءٌ كبيرٌ من حياتي كان عالقا في صندوق 414، انتظرُ البريد، علّهُ يصلني مِن أسيرٍ سياسي كانت لي علاقةٌ به لسنواتٍ طويلة، وهو أمرٌ ليسَ مفهوما ضمنًا، إذ كنتُ عبر الرسائل المكتوبة أقتنص مِن الوقت بعض المجال، لأكتُبَ نصًا، رغمّ أنني لستُ كاتبة، وهمّي بالأساس هو الفنُ التشكيلي، لكنني وجدتُ نفسي أمام الحاجة للتعبير، من خلال صقل مشاعري وأفكاري بأعمالٍ فنية منحوتة أو ثلاثية الأبعاد أو عبر لوحة، والكتابةُ أمرٌ لم أعتد عليه مِن قبل، وهكذا تخبطت الأفكار في رأسي بخطوطٍ غير عادية، أشبه بالقضبان".

تضيف: "كُلُ رسالةٍ تدخُل للسجون الإسرائيلية أو تخرُج منها تمرُ عبر تدقيق، أي أنّ عينًا ثالثة تقرأ الرسائل، وبناءً عليه فأنتَ تتصرف بمشاعر وأفكار محسوبة وتحت الرقابة، ولا تستطيع أن تعبِّر عن مشاعرك بالطريقة التي تريد، ولا يمكن توجيه أسئلة تهمك، وجزءٌ منها يُحذف، كما أنك مضطرٌ طوال الوقت أنّ يقف حارسٌ ورقيبٌ فوق رأسك يراجعُ كلمتك، بينما ينتظرُ الأسيرُ ذاك الشُباك الذي ينال من خلاله رسالته المنتظرة".

تقول عقل: "للأسير كلمتان معروفتان: "برا وجوا"- أي الداخل والخارج، فكونك تنظر عبر الشباك باتجاه الأسير في الخارج، فعليك أن تنظر إلى المجتمع بعينٍ فيها عمقٌ ووصفٌ للمحيط والبيئة والطبيعة والحياة، وتحاوِل أن تعطي للأسير عينيك، كي ينظر من خلالهما إلى الواقع، ليعيش الماضي ويحلُمُ بالآتي".

وفي معظمِ الأحيان تعودُ الرسائِل للمُرسِل، أي لي، كونها تحتوي على مواد غير قابلة لإدخالها للأسير المُنتظِرْ.

  • مِن أينَ أتت الفكرة؟

"من هذا المكان الذي لامستَ فيه واقع الأسرى، وحيت تبعث برسائلك فإنّ الكثير منها تعودُ إليّ أنا المُرسِلة.

الطابِع الفلسطيني

أثارَ تواردُ القصص في حياة الفنانة التشكيلية رانيا عقل، شغفًا خاصًا بفنِها، المرتبط بالتراث الفلسطيني، وبينه الطابع الفلسطيني الذي كان له دورٌ في الماضي، مِن خلال نقل رسائل من فلسطين التاريخية إلى العالم العربي والغربي. وتأثرت عقل بزوجها الفنان والناقد التشكيلي المغربي سعيد العفاسي، حيثُ اختار كلاهما أن يُكمل حياته مع شريكه، وهكذا التقيا ليجمعهما الهم المشترك والفن الجميل.

ولم تكن علاقتهما سهلة، كونه مغربيًا، فكانت مرّة أخرى تُضطر لإرسال رسائل عبر البريد، ليصلها لاحقًا "يعودُ للمرسِل".

  • لوحاتٍ تعكِسُ مأساة شعبنا ونكبته!

تقول رانيا: "أردتُ أن أعيش باختياراتي وبحريّة، صحيح أنني اخترتُ أمورًا ليست سهلة، لكنها بسيطة، وبساطتها تأتي من القمع والاحتلال فهناك قوانين قمعيّة أجبرت أن تحول الأمور إلى صعوبة، وربما كان للقدر دورٌ في العلاقة مع الأسير، ولاحقًا علاقتي مع زوجي سعيد، ما جعلني أدرس التاريخ الفلسطيني حول البريد الفلسطيني، فوجدتُ نفسي في دراسة عميقة، وتواصلتُ مع أشخاص جمعوا الطوابع الفلسطينية قبل النكبة، ووجدتُ نفسي أتعثّر بواقع الاحتلال والاستعمار والانتداب، واكتشفتُ أنّ شعبي، طوال حياته يبحث عن الحريّة، واكتشفتُ البريد الفلسطيني، الذي تأسس عام 1840، في الفترة العثمانية، وطوال مرور النكبات والنكسات على أبناء شعبنا، كان البريد مقسوما لجهتين، مثلي تمامًا، هذا هو مسار حياتي، فالضفة تُدار مِن قبل الأردن بخصوص البريد، وغزّة تديرها مصر بريديًا، وهكذا انكشفت أمامي مأساة شعبٍ متعثر طوال حياته، سواء برسائله، أو وطنه، ما جعلني أتشبث بالطوابع البريدية وهي جزءٌ من تراثنا وحياتنا في الماضي، وهكذا جسدتُها عبر لوحاتٍ في المعرِض.

  • أنماط متجدِّدة في المعرض

عن معرضها تقول الفنانة التشكيلية رانيا عقل: أعادني هذا المعرض إلى استعمال خامات مصنّعة، والألوان الزيتية والإكليريك، والقماش المشدود، وهي أدواتٌ رافقتني على مدار سنوات عملي بالفن، لكنّ هذه المرّة بنكهةٍ مختلفة، ففي الماضي رسمت بالحناء والقهوة، لكنني اليوم اكتشفتُ أساليب أخرى للتعبير الفني من خلال "الزجاجات" التي تحوي رسائل، وهو عملٌ تركيبي يتطلب جهدًا كبيرًا، وبعدد الرسائل التي بعثتها (35 رسالة)، جهزتُ الزجاجات، والغريب في علاقتي بالرسائل، أنني لم أكن أتلقى جميع الرسائل، فكانت التفاصيل تغيبُ عني، لكنّ المشاعِر لم تغِب يومًا.

  • معرض ثانٍ قريب بعنوان "يعود للمرسَل"

وفي المعرض القادم ستكون الفكرة مِن العمل أن يكون فيديو آرت، والزجاجات توضع في وسط المحيط حتى تُبحر وتصل إلى الكثير من الأماكن، أي أنّ نفس الرسالة التي بعثتها إلى السجان ليراقبها ويقرر أي الكلمات تبقى وأيُها يُشطب، هذه الرسائل التي تعود لي بنمط "يعود للمرسَل" تقو رانيا: "ستعود لي عبر المحيط إلى الكثير من الأماكن، وسيتم الإبحار وسط البحر، وأنا أدرس الفكرة مع اختصاصي بحري، ولأي نقطة يمكن الوصول حتى أحرِّر الزجاجات، والرسائل فيها كتابة نص باللغة الإنجليزية حتى تشير للمتلقي أنه عمل تركيبي لفلسطينية تتحدث عن تفاصيل تمّ كشفها خلال المعرض، وهي تطلُب وصف شكل الزجاجات وإعادتها بطابع تفاؤلي، فالطابع الفلسطيني يرصد الألم الفلسطيني والمعاناة".