اخبار ذو صلة
انضموا الى القائمة البريدية

البريد الالكتروني :


2016-02-19 16:38:21
مقالات ,, شعلة الديموقراطية/ د. رامز عيد
نجح حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في إلغاء نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، حين تصدى بكل شجاعة للعنصرية المؤسساتية وعدم المساواة فيها، بالرغم من استعمال كل أنواع الترهيب ضد المواطنين السود المستضعفين
هذا هو إذا السياق التاريخي غير المعلن للحرب على التجمع: هو صراع الفكر اليميني ضد ديموقراطية المساواة الحقيقية الصاعدة في القرن ال21. ففي حين يستمد اليمين الإسرائيلي مبادءه من الخلفية والتاريخ المتخيل لديانته أو قوميته
هذا هو إذا السياق التاريخي غير المعلن للحرب على التجمع: هو صراع الفكر اليميني ضد ديموقراطية المساواة الحقيقية الصاعدة في القرن ال21. ففي حين يستمد اليمين الإسرائيلي مبادءه من الخلفية والتاريخ المتخيل لديانته أو قوميته،
شعلة الديموقراطية/ د. رامز عيد

فصل المقال/

“في أزمنة الخداع، قول الحقيقة هو فعل ثوري" – جورج أوريل

 

تحاول دولة اليمين استنساخ ممارسات تاريخية اخترعتها أنظمة استبدادية زائلة، مثل جنوب أفريقيا العنصرية، أو إسبانيا فرانكو، بطرق لا تختلف عنها جوهريا ولا حتى صوريا. تلك الأنظمة اليمينية التي رمت بها شعوبها إلى "مزبلة التاريخ" فعلا، حاولت تطبيق المفهوم العسكري للتعامل مع الأقليات داخل الدولة، والذي ينص على مبدأ استعمال العنف والترهيب، وعدم احترام حقوق الإنسان.

 

فمنذ بداية سنوات السبعين، وخصوصا بعد حرب سنة 1967، ازدادت شعبية الحركات اليمينية في إسرائيل، بما فيها الحركات التي تؤمن بالحق المقدس الإلهي على كل الأراضي بين نهر الأردن والبحر المتوسط، وانتشر الفكر الإقصائي المشبع بالتمركز الإثني والديني، ليجعل بيبي نتنياهو هذا الفكر مبدءاً أساسيا لحكوماته ووسيلة سهلة للبقاء في السلطة. في السنوات الأخيرة تسن قوانين استعلائية تفضل مجموعة الأغلبية على مجموعة الأقلية، تشن الحروب بشكل دوري مبتذل، ويلاحق ممثلونا في البرلمان ويطردون من بقايا الحيز الديموقراطي الإسرائيلي الهش، ليحقق نتنياهو نبوءة الروائي جورج أورويل في كتابه "1984" بأن الاستحواذ على عقول الشعب سيتم حين يعتقد القسم الأكبر منه أن " الحرب هي السلام. الحرية هي العبودية. الجهل هو القوة".

 

قد تكون ديموقراطية التجمع الديموقراطي هي ما تزعج متهوري اليمين الإسرائيلي وتغضبهم، مثلما أغضب المهاتما غاندي وحزبه السلطات الاستعمارية البريطانية قبل مئة عام عندما تحدوهم مرارا، وانتصروا على ظلمهم، بأساليب المقاومة الديموقراطية اللاعنيفة، أو كما نجح حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في إلغاء نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، حين تصدى بكل شجاعة للعنصرية المؤسساتية وعدم المساواة فيها، بالرغم من استعمال كل أنواع الترهيب ضد المواطنين السود المستضعفين.

 

ديموقراطية التجمع الناهضة والثابتة هذه، والتي تكتسب تعاطف القوى الديموقراطية اليسارية الحقيقية حول العالم، أصبحت عاملا يقض مضاجع الأحزاب اليمينية الفاشية لأنها تذكرهم باستمرار بحقيقة تواجدهم على الجانب الخاطئ من التاريخ البشري الحديث. فهناك  تحول عالمي بطيئ، لكنه ثابت ومستمر، نحو التعاطف مع الذين يرفضون العنف ويؤمنون بالديموقراطية لجميع المواطنين، وهو واضح وجلي في ظهور الثورات الشعبية في العالم العربي ضد الحكم العسكري الاستبدادي، أو في الثورة الفكرية التي تجتاح الكثير من دول العالم، والتي ما برحت تخلق قوى يسارية ديموقراطية ناجحة جديدة، كانت تعتبر ربما راديكالية جدا قبل عشرين سنة (أحزاب مثل بوديموس في إسبانيا، سيريزا في اليونان). قوة التجمع التي يخشاها اليمين هنا لا تنبع فقط بسبب انتماءات أفراد معينين له، إنما نتيجة للفكر الثاقب التي يطرحه هؤلاء الأفراد، والذي يتحدى مبنى القوة الهرمي والعنيف في داخل الدولة. التجمع إذا هو عامل تغيير ديموقراطي، متناقض لتعاريف تستعمل التفاسير الإلهية المقدسة لصناعة دولة اوتوقراطية واثنوقراطية.

 

هذا هو إذا السياق التاريخي غير المعلن للحرب على التجمع: هو صراع الفكر اليميني ضد ديموقراطية المساواة الحقيقية الصاعدة في القرن ال21. ففي حين يستمد اليمين الإسرائيلي مبادءه من الخلفية والتاريخ المتخيل لديانته أو قوميته، بمساعدة ظروف التفوق العسكري لديه، وبذلك يعزل الشعب اليهودي عن الأقلية العربية في إسرائيل فكرياً واجتماعياً، ويبني الجدران الوهمية أوالعنصرية بين المجموعتين، يصبح الإصرارعلى وجود التجمع الديموقراطي هو الإصرارعلى وجود أمل لحياة مستقبلية مبنية على المساواة، وعلى التواصل والاحترام المتبادل بين سكان هذه الأرض.

  

يجدر بنا في هذا الزمن تذكر ما كتبه ادوارد سعيد في كتابه "المثقف والسلطة"، ان من المهام المنوطة بالمثقف هي محاولة تحطيم القوالب الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيوداً شديدة على الفكر الانساني وعلى التواصل ما بين البشر، وان "علينا ان نحدد معايير الصدق والعدل وان نستمسك بها مهما يكن الانتماء الحزبي للمثقف، ومهما تكن خلفيته القومية. ولن يشوه اداءنا في الحياة العامة شيئ بقدر ما يشوهه "التشذيب والتهذيب"، أو اللجوء الى الصمت حين يقتضيه الحرص."

 

السكوت والحياد عما يتعرض له التجمع اليوم هو السكوت على محاولات اطفاء احدى شعل الديموقراطية الهامة في مجتمعنا.

 

 

* الكاتب محاضر في العلوم الإنسانية والقانون.