اخبار ذو صلة
انضموا الى القائمة البريدية

البريد الالكتروني :


2016-05-08 23:56:11
مقالات ,, على عتبة مرحلة جديدة في تاريخ الفلسطينيين في اسرائيل (1-3)
بدأت تظهر قراءات تاريخية في الساحة الفلسطينية تشدد على الوطني الفلسطيني وتقصي الجانب المؤسرل في تاريخ فلسطينيي ال48. وهي أيضا قراءة انتقائية أيديولوجية، كما كانت القراءة القديمة، في اعتبار فلسطينيي الداخل جزءا من المجتمع الإسرائيلي في أحسن الأحوال، ومتصهينين في أسوأ الأحوال، قراءة أيديولوجية أيضا.
تعززت في هذه الفترة عمليات التواصل والتفاعل على المستوى السياسي الحزبي على جانبي الخط الاخضر، وتم إحياء ذكرى النكبة لأول مرة عبر مسيرة العودة في عام 1998، وبدا الخطاب السياسي واضحا تجاه قضايا ومركبات المشروع الوطني مثل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.
على عتبة مرحلة جديدة في تاريخ الفلسطينيين في اسرائيل (1-3)

فصل المقال/ مهند مصطفى

مهند مصطفى

شهد العقد الأخير تحولين ساهما في دفع النقاش حول مكانة ودور فلسطينيين ال-48 في المشروع الوطني الفلسطيني، الأول يتمثل في تآكل المشروع الوطني الفلسطيني وغياب الإجماع على مشروع وطني، في الوقت الذي يتضح فيه أن المشروع الوحيد الواضح هو المشروع الإسرائيلي-الصهيوني الكولونيالي في فلسطين التاريخية، والذي يتجه حاليا نحو حسم ملفات فلسطينية كثيرة مُحدثا قطيعة عن استراتيجية إدارة الصراع. ويتمثل هذا المشروع في ثلاث: أولا: حضور مكثف ليهودية الدولة، تتجاوز طابعها القومي-الإثني الى طابع قومي-ديني، في تعاملها مع ذاتها ومع فلسطينيي ال-48، ثانيا: تعزيز السيطرة الكولونيالية في مناطق ال-67، وإفشال منهجي لحل الدولة الفلسطينية، والحفاظ على تقسيم وانقسام الشعب الفلسطيني، دون أن نحيد المسؤولية الوطنية الفلسطينية عن هذا الانقسام والتقسيم. في هذه السلسة سوف أتطرق إلى تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين في اسرائيل.

إلى جانب السعي الإسرائيلي إلى حسم علاقتها مع الفلسطينيين في الداخل، فهنالك مفارقة تاريخية تتمثل أو تتمظهر هذه في انتقال تعامل الحركة الوطنية الفلسطينية، مع فلسطينيي ال-48 من التهميش الى الرومانسية. وكلاهما (التهميش والرومانسية) يشكلان قصورا في الحركة الوطنية، فتهميش فلسطينيي ال-48 الذي وصل ذروته في اتفاق اوسلو، يشكل قصورا في فهم دور ومكانة فلسطينيي ال-48 كجزء من الشعب الفلسطيني ونتاج القضية الفلسطينية، بينما تُعبر الرومانسية عن مآزق هذه الحركة في ظل الانقسام الداخلي، وتبعثر الشتات الفلسطيني وتآكل المشروع الوطني. تنطلق الرومانسية في اعتبار التجربة السياسية لفلسطينيي ال-48 تجربة يمكن محاكاتها للخروج من المآزق الفلسطيني، وأقصد مآزق الانقسام وغياب الافق السياسي والفصائلية السلبية وغيرها.

لم تظهر هذه الرومانسية من فراغ، فعلاوة على المأزق الداخلي للحركة الوطنية، فإن فلسطينيي الداخل قدموا نموذجا للعمل المشترك (القائمة المشتركة) والدور النضالي الهام في السنوات الأخيرة، والارتقاء في الخطاب السياسي، مثل: تحدي الدولة اليهودية سياسيا، أخلاقيا وديمقراطيا (وهو خطاب طوره التجمع الوطني الديمقراطي)، وبدأت تظهر قراءات تاريخية في الساحة الفلسطينية تشدد على الوطني الفلسطيني وتقصي الجانب المؤسرل في تاريخ فلسطينيي ال48. وهي أيضا قراءة انتقائية أيديولوجية، كما كانت القراءة القديمة، في اعتبار فلسطينيي الداخل جزءا من المجتمع الإسرائيلي في أحسن الأحوال، ومتصهينين في أسوأ الأحوال، قراءة أيديولوجية أيضا.

ركز الخطاب السياسي الفلسطيني في العقدين الماضيين على مصارعة الدولة اليهودية بهدف تفكيك طابعها، وشكل هذا الخطاب الذي طوره التجمع الوطني نقلة نوعية في الخطاب السياسي العربي، وكشف بشكل واضح التناقض بين الدولة اليهودية والديمقراطية، والأهم أنه كشف قصور حل الدولتين مع إبقاء طابع الدولة اليهودي. لكن الدولة اليهودية، كرد فعل، باتت أكثر صلابة في يهوديتها، في المقابل وجدت الحركة الوطنية الفلسطينية عموما نفسها أمام كولونيالية إسرائيلية ماضية وواثقة في احتلالها.

وإذا أردت أن أحدد اللحظة التاريخية الرسمية، (وهو تحديد مجرد لا ينفي التحولات قبل هذه اللحظة) التي وصل فيها المشروعان إلى جدار اليهودية الكولونيالية الصلب، فهي لحظة عودة نتنياهو، نتنياهو المشروع، وليس الشخص. أعاد خطاب نتنياهو ومشروعه الصراع إلى عام 1948. وفي عام 1948، تلتقي كل فئات الشعب الفلسطيني كوحدة وطنية واحدة، قبل لجوئها وتشتتها وانقسامها، يعود الشعب الفلسطيني كتلة تاريخية واحدة في مواجهة المشروع الصهيوني، أنها نقطة الصفر، قبل الانقسام (وليس الصراع) حيث يفكر الجميع من جديد في دوره في المشروع الوطني.

تعززت أهمية الفلسطينيين في الداخل في المسألة الوطنية، كحالة تتجاوز التضامن والمساعدات الانسانية، كما تجلت في الانتفاضة الأولى، إلى محاولة للتأثير المباشر على المشروع الوطني. ظهر ذلك في تعبيرات كثيرة، فمثلا بدأت الحركة الإسلامية مشروعها للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك وتعزيز صمود أهل القدس، وقبل ذلك برز الدور الذي لعبته القائمتان العربيتان في الكنيست (الجبهة الديمقراطية والحزب الديمقراطي العربي) في دعم حكومة رابين من الخارج، الذي أطلق عليها الكتلة المانعة، من أجل المضي في تنفيذ اتفاق أوسلو. ولعب التجمع الوطني بقيادة الدكتور عزمي بشارة دورا كبيرا في نقده المنهجي لاتفاق أوسلو، متواصلا في ذلك من تيارات فلسطينية عارضت اتفاق أوسلو، ودوره الريادي في تحويل خطاب الدولة اليهودية من تداوله النظري في الاروقة الاكاديمية إلى خطاب سياسي حزبي يُبيّن التناقض بين طابع الدولة وبين مكانة الفلسطينيين القومية والمدنية، والذي ألقى بضلاله لاحقا على الخطاب السياسي في الحركة الوطنية الفلسطينية، ورابطا بشكل جوهري العلاقة بين مشروع دولة المواطنين وحل القضية الوطنية.

أدى تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي إلى إثراء الفكر والخطاب السياسيين للفلسطينيين في الداخل، جاء تأسيس التجمع، في جزء منه، كنتاج لاتفاق أوسلو، والحاجة إلى تطوير خطاب فكري جديد يتعامل مع التغييرات التي حصلت في العلاقة مع الدولة من جهة، والعلاقة مع الحركة الوطنية الفلسطينية من جهة اخرى في أعقاب الاتفاق. علاوة على وضوح وُجهة المشروعين الفلسطيني والاسرائيلي تجاه فلسطينيي الداخل، حيث أن الأول أقصى الفلسطينيين في الداخل بشكل كامل عن المشروع الوطني الفلسطيني، والثاني توغل في يهوديته، أو على الاقل كشف أوسلو، أن خطاب المساواة الذي ساد في الخطاب السياسي العربي لم يرتق إلى حجم تحدي مكانة الفلسطينيين المدنية والقومية في سياق الدولة اليهودية، التي كرسها اوسلو بتهميش قضايا الفلسطينيين في الداخل.

انطلق التجمع من فكرتين أساسيتين، دولة المواطنين تهدف إلى تحييد الدولة كدولة إثنية إقصائية، وفي نفس الوقت تضمن الحقوق الجماعية للمجموعتين القوميتين فيها، والثانية حل الدولتين. لم يفصل التجمع بين الفكرتين، رغم الحدود السياسية الجغرافية الفاصلة بينهما، فحل الدولتين دون حل دولة المواطنين يشكل ظلما تاريخيا للمجموعة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، فحل الدولة الفلسطينية- بدون حل دولة المواطنين- قد يضمن الحقوق القومية للفلسطينيين عموما ويستثني الفلسطينيين داخل الخط الاخضر بحق تقرير المصير في صيغة حقوق جماعية ثقافية. في هذا السياق، يخطئ من يعتقد أن حل دولة المواطنين يتناقض مع الحقوق الجماعية، لان دولة المواطنين كان تهدف، من وجهة نظر التجمع، إلى نفي طابع الدولة ايديولوجيا، وليس تغييب الحقوق القومية والجماعية للمجموعة القومية الفلسطينية بداخلها.

تعززت في هذه الفترة عمليات التواصل والتفاعل على المستوى السياسي الحزبي على جانبي الخط الاخضر، وتم إحياء ذكرى النكبة لأول مرة عبر مسيرة العودة في عام 1998، وبدا الخطاب السياسي واضحا تجاه قضايا ومركبات المشروع الوطني مثل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين. كما لعبت التيارات السياسية في الداخل دورا في تعميق الوعي في الحركة الوطنية لرفض الطلب الاسرائيلي بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية كشرط مسبق لإنهاء الصراع، ومعارضة مشروع ضم المثلث أو التبادل السكاني كجزء من الحل النهائي. يمكن القول أن المرحلة التي أعقبت اتفاق أوسلو وفشله أثرى الخطاب والعمل السياسي لمعارضي الاتفاق ومؤيديه.

علاوة على ذلك، شكل اتفاق أوسلو صدمة للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، فمن جهة اعتبر الحزب الشيوعي-الجبهة أن الاتفاق هو تأكيد على توجهها السياسي منذ عقود لحل الصراع عبر المفاوضات وحل الدولتين، والكتلة المانعة في الكنيست إبان حكومة رابين لم تكن خروجا عن الخط السياسيّ للجبهة في هذا الصدد. ومن جهة أخرى، كشف الاتفاق الموقع الحقيقيّ للفلسطينيين في الداخل من المشروع الوطني الفلسطيني، فهم "مواطنون إسرائيليون" فقط، وخارج المشروع الوطني، أدى ذلك إلى نقد إطار المواطنة القائم، ونقد المشروع الوطني المتشكل بناء على المفاوضات في نفس الوقت. جاء تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي، وانقسام الحركة الإسلامية، نتيجة وضوح وُجهة كل من منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ومشروعهما، أي تهميش فلسطينيي48، مما أعادة تشكيل الخطاب السياسيّ الفلسطيني داخل الخط الأخضر.

عودة الى الرومانسية الفلسطينية في التعاطي مع التجربة السياسية لفلسطينيي ال-48، فهي تاريخيا جزء من صيرورة تاريخية بدأت مع انتقال مركز الثقل الوطني والسياسي والنضالي من الشتات، قبل عام 1987، إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، والتي ساهم اتفاق أوسلو في تحديد المشروع الوطني في إقامة دولة على هذه البقعة من الوطن الفلسطيني، وانتهاء بانتقال مركز الثقل، الى مناطق ال-48 بعد وصول هذا المشروع المتآكل إلى مآزق وطريق مسدود في السنوات الاخيرة. تمثل هذه اللحظة الرومانسية، لحظة هامة في إعادة الاعتبار لمكانة فلسطينيي ال-48 في المشروع الوطني أو على الأقل في التعاطي الفلسطيني الإيجابي من هذه الفئة من الشعب الفلسطيني، مع التأكيد أنه لا يمكن قطع هذا الاهتمام عن التحولات التي حدثت في خطاب ونضال فلسطينيي ال-48 في العقدين الماضيين. وفي نفس الوقت، تحمل هذه اللحظة الرومانسية خطورة، لأنها قد لا تدرك، في لهفة رومانسيتها، السياق السياسي الذي يُحدد خطاب وآليات العمل السياسي والنضالي لفلسطينيي الداخل، سياق المواطنة، الذي تفتقر له، إلا إذا تبلور مشروع وطني فلسطيني جامع يضع حل الدولة الواحدة ثنائية القومية في مركزه، عندها تكون هذه الرومانسية مرحلة، وليست لحظة تاريخية فارقة للمشروع الوطني ولمكانة فلسطينيي الداخل ودورهم في المشروع الوطني.

للحديث تتمة....