اخبار ذو صلة
انضموا الى القائمة البريدية

البريد الالكتروني :


2016-07-14 19:31:42
تقارير ,, نساء كتبن بأجسادهن معاني يوم الأرض الخالد!
تحدثني ابنة الراحلة ندى نعامنة - شيخة - في يوم الأرض الأول، يومَ اندلعت المواجهات في العام 1976، سارت أم مصطفى، ندى، بين الصفوف، وكانت هي المحرِّك، إذ دخلت إلى رئيس مجلس عرابة المحلي (محمود نعامنة – أبو مأمون)، وطلبت منه التدخُل سريعًا لمساعدة الأهالي في الدخول إلى منطقة المل رقم 9".
نساء كتبن بأجسادهن معاني يوم الأرض الخالد!

فصل المقال/ غادة أسعد

وإن كان بعض المؤرخين والباحثين أغفلوا كتابة التاريخ الذي يحفظ رواية النساء في مثلث يوم الأرض: سخنين، عرابة، دير حنا، فإنّه ليس مِن حقّنا كفلسطينيين، أن نتناسى أو نغفل عن سرد سيرة نساء سطّرن بأجسادهن معاني يوم الأرض الخالد، وحافظن على أرضهن، واستعدن منطقة الملّ المُصادرة، التي أسماها الجيش حتى العام 1976 (منطقة رقم 9)، وحوّلها إلى منطقة عسكرية مغلقة، ما اضطر الأهالي إلى دخول أراضيهم عنوةً أو بتصريح، لينتهي المسار القضائي باستعادة الأراضي إلى ملكية أصحابها الأصلانيين.

ولمعت بعضُ النساء في منطقة البطوف، بينهن الحاجة ندى نعامنة، التي فارقت الحياة في الثلاثين من آذار 2013، وهي المفارقة التي اختارت التاريخ الذي يربط الجسد بالمكان، ويصُعب سلخ الجسد مِن المكان، الذي ربطها بِه مشاعِرُ وذكرياتٍ وأحلام وحياة، تسبِقُ الأرضُ فيها أي معنىً آخر سوى الكرامة، ورحلت ندى نعامنة عن عمر (84 عامًا)، ليُسطِّر الحاضِر اسمها كواحدة من السيدات المناضلات.

وبرزت نساء حي الجلمة (عائلة النعامنة)، اللواتي قمن بنضالٍ عنيد ترأسته أم مصطفى – ندى نعامنة -  في مواجهة الجنود الإسرائيليين، الذي تجمهروا في الحي في محاولةٍ منهم لمنع السكان من الخروج من بيوتهم، فما كان من النساء إلا أن وقفن سدًا منيعًا في المواجهة، وحملن ما ملكت أيديهن من أدوات الزراعة من شواعيب ومذارٍ وفؤوس ومناسيس وعصي، يحاولن من خلالها دحر الجنود الذين توغلوا في القرية.

ووقف النساء إلى جانب الرجال والشبان في المواجهة، في يومٍ مشهود يحمل في طياته صفحاتٍ سطرتها نساء عرابة. وأبرز النساء في تلك الفترة: جميلة مصطفى نعامنة، جميلة محمد شحادة نعامنة، صبحية سعيد نعامنة، سمية أحمد نعامنة (أم العارف)، فتحية محمد سعيد نعامنة، وفيقة محمد نعامنة سعيد، رسمية علي حسين نعامنة، سميحة محمد نعامنة، الآنسة وجيهة (جميلة)، والسيدة خزنة الهارون، وأخريات.

اندلاع المواجهات

 عن منطقة "المل" أو "منطقة رقم 9"

تتبع منطقة المل لعائلات مِن عرابة، ومساحتها 60 ألف دونم، كانت تُستخدم للزراعة، وكانت مهمّة النساء الحفاظ على الأرض، وزراعتها وحمايتها، علمًا أنّ لعائلة ندى الحصّة الأكبر بين العائلات في ملكية الأراضي، وكان عليها أن تعيل أبناءها العشرة، خاصةً أنّ الزوج كان طيبًا ومسالِمًا، فكان عليها أن تلعب دور الرجل والمرأة معًا، وحين حوّلت السلطات الإسرائيلية المل إلى منطقة عسكرية مغلقة، اشتعلت شرارة الغضب لدى أهالي البطوف، واستماتوا في حماية أراضيهم. ورغم موافقة الشرطة على الإضراب العام، إلا أنها باشرت بإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين السلميين، في الثلاثين من آذار 1976، واشتدت المعركة في القرى الثلاث القريبة: سخنين ودير حنا وعرابة، وسقط أربعة شهداء هم: رجا أبو ريا، خضر خلايلة، خديجة شواهنة – وثلاثتهم من سخنين، وخير ياسين من عرابة. كما استُشهد محسن طه من كفر كنا (القريبة)، ورأفت زهيري من مخيم نور شمس في الطيبة، وجُرح نحو 50 شخصًا، واعتقل 300 شخص، كما سُجلت مئات حالات الاعتداء والعبث بالممتلكات.

تقول شيخة: "الفلاحة البسيطة، ندى نعامنة، قامت بعملٍ وقف الرجال قُبالتها متفرجين، يومَ استشعرت أنّ التدريبات العسكريّة تسبق إسكات أهل القرية الذين قرروا إعلان الإضراب، وقامت ليلتها بوضع أكوام الحجارة في ساحة بيتها، وحضّرت "المنكوش" و"الصابّة"، وحين دخلت الدبابة الإسرائيلية يعتليها الجندي، نهرها بالدخول إلى البيت، قامت بضربه بالكريك، فوقف رجال الحي يشجعونها من شبابيك بيوتهم، أما ابنتها المرحومة كاملة، فأحضرت في ساعتها كبريتًا لإحراق الدبابة، لكن المتجمهرين منعوها، كي لا تحصُل مذابح في ساحة البيت، ولم يسلم الزوج أبو مصطفى من ضرباتٍ أفقدته البصر".

عن اليوم المشهود 30 أذار، روت أم مصطفى قبل رحيلها: كان الجيش يستفز المواطنين عند مدخل عرابة، وخلال المواجهات استشهد خير ياسين، فركضت إليه وأسندته على كتفها، وفارق الحياة في حضنها، ودمه لطّخ ثيابها، فبقيت عدة أيام لا تبدّل ملابسها كي تبقى رائحة الشهيد في ثيابها.

بفضل نضال أم مصطفى، استعاد أهالي منطقة المل، أراضيهم، وتذكُر أم مصطفى - قبل رحيلها - ما قاله أحد كبار بلدة عرابة، يوسف شحادة، قال عنها: "والله لو في عشرة زي أم مصطفى لحرروا مسجاف".

تقول شيخة نعامنة: والدتي اعتادت على كسر قرارات منع التجول، لأنها تريد إطعام أطفالها، وجلبت التوأمين نجمة ونعمة، وهما في اللفةِ، يرضعان، فرشت لهما تحت شجرة "الخروبة"، وإذ بالعسكريين الإسرائيليين يقتحمون الأرض، يضربونها، ويجبرونها على مرافقتهم لمركز الشرطة، هكذا تحدّت أوامر الحكم العسكري، بعد التحقيق معها هددوها، لمنعها من دخول أرضها، لكنها عادت لتحتضن أطفالها العشرة، ثلاثة أخوة ذكور، وسبع إناث، أصغرهن (شيخة- كانت في الخامسة من عمرها في يوم الأل الأوض).

وتقول: "كنت أشعر أنّ النساء في تلك الفترة  أقوى من الرجال، كنّ يفلحن الأرض، وأمي أرادت الحفاظ على أبنائها وإطعامنا، وظلت متمسكة بالأرض وتزرع الزيتون، وزرعت في الأبناء حُب الأرض، وتشبعتُ بشخصية أمي، المكافحة المتصديَّة.

وقد لا يعرف الكثيرون أنّ أمي عاشت حربًا نفسية، خوفًا على الأرض، رغم نضالها المتميز، ومن عظمتها أنني لا أذكر يومًا استيقظتُ فيه لأجد أمي في البيت، كانت تخرج إلى أرض المل في الرابعة صباحًا، لتعود في ساعات المساء، تزرع الأرض وتحصدها، أما النسوة فاعتبرنها أسطورة، أما والدي فكان يكبرها بعشرين عامًا، تعِب هو أيضًا، وفي أحد المرات انبطح أرضًا أمام الدبابة كي لا تتوغل في القمح، الذي زرعه ووالدتي برمش العين، لكن في آخر أيامها تسلّلت الأمراض إلى جسدها الغض، في جيلٍ مبكّر (في عامها الستين)، فقدت بصرها حتى فارقت الحياة في العام 2013".